الغزالي
121
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
اللّه تعالى ، ولكن لي إليك حاجة ؛ قال : وما حاجتك ؟ قالت : أنت تقول دائما أرباب الأحوال وأبناء الدّنيا يطلبونك ويخطبونك ، فناشدتك اللّه لا تزوّجني لغير عبد اللّه بن المبارك ، فإن كان ما له دّنيا فإن لنا دنيا . فزوّجها أبوها بعبد اللّه بن المبارك ، وحمل إليه جهازا كثيرا ومالا كبيرا ، وأنفذوا إليه عشرة أفراس ليجاهد عليها في سبيل اللّه . فرأى عبد اللّه في بعض الليالي في منامه قائلا يقول : إن كنت طلّقت من أجلنا عجوزا فقد أعطيتك صبية بكرا ، وإن كنت ذبحت فرسا واحدا فقد أعطيناك عشرة أفراس عوضها ، لتعلم أن الحسنة بعشر أمثالها عندنا ، ولا يضيع عندنا أجر المحسنين ، وما عاملنا أحد فخسر . ولا يخسر كما جاء في الحكاية : حكاية : حكى أبو سعيد أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح وله زوجة ديّنة تقيّة ذات رأي وحزم ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبي ذلك الزمان : أن قل لذلك العبد الصالح إني قدرت له أن يمضي نصف عمره بالغنى ونصفه بالفقر ، فإن اختار أن يكون غناه في شبيبته أغنيناه ، وإن اختار أن يكون في شيخوخته قدّرنا له ذلك فيسّرناه له . لمّا علم الرجل ذلك أخبر به زوجته وقال لها : قد جاء خطاب من اللّه تعالى ؛ وقصّ عليها ما سمعه وقال لها : ما ترين ؟ فقالت له : الاختيار إليك ؛ فقال الرجل : قد رأيت الفقر في الشبيبة فإذا كنت شابّا فقيرا احتملت وصبرت عليه ، فإذا صرت كبيرا غنيّا كان لي ما أتقوت به وأشتغل بطاعة ربي وعبادته ؛ فقالت المرأة : أيها الرجل إذا كنّا في الشبيبة في ضنك لم نقدر على طاعة ربّنا تعالى ولم تصل أيدينا إلى فعل الخيرات وإعطاء الصدقات ، فالواجب أن نختار الغنى في زمان الشباب فيكون لنا شباب وغنى وطاعة ، فنقدر حينئذ على عبادته بأجسامنا وأموالنا ؛ فقال الرجل : نعم ما رأيت وكذلك نفعل . فنزل الوحي على ذلك النبي عليه السلام فقال : قل لذلك الرجل إذا آثرت طاعتنا ، واستفرغت جهدك في عبادتنا ، واتّفقت نيّتك ونيّة زوجتك على طاعتنا ، فقد قضيت وقدرت أن أقضي جميع عمرك في الغنى ؛ وكن أنت وزوجتك على عبادتي ، ومهما رزقتكما فتصدّقا به على بريتي ليكون لكما حظ الدّنيا والآخرة . قال صاحب الكتاب : وما أوردنا هذه الحكاية إلّا لتعلم قدر الزوجة الصالحة وما فيها من النعمة من اللّه تعالى . فصل واعلم أن ديانة المرأة وسترها نعمة من نعم اللّه تعالى على عبده ؛ وهيهات أن يقدر على المرأة العفيفة طامع كما جاء في الحكاية :